يزيد بن محمد الأزدي
395
تاريخ الموصل
حدثت عن الفضل بن دكين قال : قتل إبراهيم ارتفاع النهار لخمس بقين من ذي القعدة ، سنة خمس وأربعين ومائة . أخبرني محمد بن المبارك العسكري عن عبد الله بن أبي سعيد قال أخبرني الفروى قال : لما أن جئ برأس محمد بن عبد الله إلى أبى جعفر تمثل :
--> - بشير أولئك كفار وهؤلاء مسلمون ، واتبع إبراهيم رأيه وسار حتى نزل باخمرا ، وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخا مقابل عيسى بن موسى ، فأرسل إليه سلم بن قتيبة : إنك قد أصحرت ومثلك أنفس به عن الموت فخندق على نفسك ؛ حتى لا تؤتى إلا من مأتى واحد ، فإن أنت لم تفعل فقد أغرى أبو جعفر عسكره ، فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه ، فدعا إبراهيم أصحابه وعرض عليهم ذلك ، فقالوا : نخندق على أنفسنا ونحن الظاهرون عليهم . لا والله لا نفعل ، قال : فنأتى أبا جعفر ، قالوا : ولم هو في أيدينا متى أردناه فقال إبراهيم للرسول : أتسمع فارجع راشدا ثم إنهم تصافوا فصف إبراهيم أصحابه صفا واحدا ، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يجعلهم كراديس ؛ فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس فإن الصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره ، فقال : الباقون لا نصف إلا صف أهل الإسلام ، يعنى : قول الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا الآية ، فاقتتل الناس قتالا شديدا ، وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه ، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه ، فأقبل حميد منهزما ، فقال له عيسى : الله الله والطاعة ، فقال : لا طاعة في الهزيمة ، ومر الناس فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير ، فقيل له : لو تنحيت عن مكانك حتى تئوب إليك الناس فتكر بهم ، فقال : لا أزول عن مكاني هذا أبدا حتى أقتل أو يفتح الله على يدي ، والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبدا وقد انهزمت عن عدوهم ، وجعل يقول لمن يمر به أقرئ أهل بيتي السلام ، وقل لهم لم أجد فدا أفديكم به أعز من نفسي وقد بذلتها دونكم ، فبينا هم على ذلك لا يلوى أحد على أحد إذ أتى جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي من ظهور أصحاب إبراهيم ، ولا يشعر باقي أصحابه الذين يتبعون المنهزمين حتى نظر بعضهم فرأى القتال من ورائهم فعطفوا نحوه ، ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم فأتت الهزيمة على أصحاب إبراهيم ، فلو لا جعفر ومحمد لتمت الهزيمة ، وكان من صنع الله للمنصور أن أصحابه لقيهم نهر في طريقهم فلم يقدروا على الوثوب ولم يجدوا مخاضة فعادوا بأجمعهم ، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتلاهم من وجه واحد ، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة وقيل أربعمائة ، وقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرءوس إلى عيسى ، وجاء إبراهيم سهم غائر فوقع في حلقه فنحره فتنحى من موقفه ، وقال : أنزلوني فأنزلوه عن مركبه وهو يقول : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً أردنا أمرا وأراد الله غيره ، واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه ، فقال حميد بن قحطبة لأصحابه : شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه ، فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم وخلصوا إليه وحزوا رأسه ، فأتوا به عيسى فأراه ابن أبي الكرام الجعفري ، فقال : نعم ، هذا رأسه فنزل عيسى إلى الأرض فسجد ، وبعث برأسه إلى المنصور ، وكان قتله يوم الاثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة ، وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة ، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام ، وقيل : كان سبب انهزام أصحابه أنهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم ، نادى منادى إبراهيم : ألا لا تتبعوا مدبرا فرجعوا ، فلما رآهم أصحاب المنصور راجعين ظنوهم منهزمين فعطفوا في آثارهم وكانت الهزيمة .